القاضي النعمان المغربي
19
تأويل الدعائم
إلى الانتهاء ، ويقال للعقل « العرش » أي أنه مقر لمن جلس عليه وبجلوسه عليه تعرف جلالته عن من هو منحط دونه ، ويقال للعقل « الأول » ومعناه الأولية التي ظهرت منها المخلوقات يعنى كل ما هو موجود وما هو مطبوع عليه أسبوع لقبول آثار الحكمة قبل سائر الحدود لقربه منها واتحاده بها وهي العلم والأمر اللذان هما بمعنى واحد ، وقد يجوز أن العقل فعله سبق قوته ، ولم توجد هذه الفضيلة في موجود سواه لأن جميع الحدود دونه قواتهم سابقة أفعالهم وهذه الفضيلة للعقل خاصة ليكون بها تامّا كاملا ، ويقال للعقل القضاء على أن بالعقل تقضى النفس إدراك المعلومات والظفر بالمطلوبات ، ويجوز على أن العقل هو قضاء اللّه عز وجل بين خلقه ، ويقال للعقل أيضا « الهيولى » فمعناه أن بالعقل قوام ما ينبجس من الصور ، ويقال للعقل الشمس ومعناه أن بالعقل تبصر الحقائق ، ثم إن النفس وهي الخلق الثاني المنبجس من الخلق الأول وإنما سميت نفسا لأنها تتنفس دائما للاستفادة ليكون بتواتر نفسها قوام الحلقة ، ويقال للنفس « اللوح » فمعناه أن الّذي انفطر من العقل من أنوار الحكمة ينسطر في النفس ، ومن النفس يتصل بجريانها المنبعث منها على مقدار صفائها ولطافتها ، ويقال للنفس الملك ومعنى ذلك أن النفس هي ملك العقل ، وقينه لأن بالنفس ظهرت فضيلة العقل كما أن بالملك تظهر فضيلة الملك ، ويقال للنفس « التالي » فمعناه أن الّذي يتلو العقل في باب قبول آثار الكلمة إنما هي النفس ، ويجوز على أن النفس بقوتها تتلو العقل بفعله ، ويقال للنفس « القدر » فمعناه أن الّذي يتحد بالنفس من فوائد العقل فإن التقدير والتحديد محيطان به ، ويقال للنفس « الصورة » ومعنى ذلك أن النفس تصورت من جوهر العقل وضيائه وأنها متى همت أن تلحق به لتنزل منزلته محق نورها ، كما أن القمر يستمد نوره من نور الشمس وإذا اجتمعا في المنزلة محقت نوره ، ويقال للعقل والنفس بكلمة واحدة « الأصلان » . هذه بعض آراء السجستاني الفلسفية في الإلهيات عرضنا لها عرضا وجيزا ولعلها تعطى الدليل الواضح على اضطلاعه بالعلوم وعراقته بوضع النصوص بترتيب جذاب وتنسيق بديع . وكم هو حرى بالعلماء ورجال الفكر أن يتفرغوا لدراسة هذه الآثار المغمورة ، وإظهار هذه الكنوز الفلسفية من كهف تقيتها بعد أن مرت عليها قرون وهي مدفونة في طيات الأزمنة وكهوف الاستتار .